ثمة شتاءات لا تشبه الفصول، شتاءات تهطل غصصاً في الحناجر، وتجمد معها ملامح المدن الآمنة لتتحول بغتة إلى حكايا من رعب وصمود.
في قلب دمشق، حيث تعانق ستائر الحرير ثريات الكريستال، وتفوح رائحة القهوة الممزوجة بالهال مع عطر الياسمين المطل على جبل قاسيون المهيب، تبدأ الحكاية الشامية الدافئة بملامح فرحٍ عابر، لعروسين يخطوان نحو عشهما الجديد بتفاؤل لا سقف له. غير أن تلك الأيام التي ظُنت أنها لن تتكرر، كانت تقف على أعتاب تحولات عاصفة واضطرابات سياسية ستغير وجه التاريخ وتلقي بظلالها الثقيلة على البيوت الآمنة.
بين أروقة العمارة ذات البوابة الحديدية السوداء، تتشابك المصائر؛ طبيب أطفال مخلص يداوي قلوب الصغار بصبر، وأمّ تلوذ بالتفاؤل هرباً من الفقد، وأبناءٌ يحمل كلّ منهم سراً يطوي عليه أضلعه. بين جلال، الشاب الخلوق الذي يلفّه كهف من الغموض والكتمان، وأخيه فهد، ذي النظرات النارية والعزيمة الصلبة التي لا تهاب خوض المخاطر، ينفتح دهليز حادّ من المفاجآت.
تتحرك الأقدار بروعتها وقسوتها حين يتسلل الغدر عبر "تقارير الوشاية" المكتوبة بخطوط حاقدة، لتنتزع فلذات الأكباد في عتمة الفجر، وتلقي بهم في غيابات زنازين تنعدم فيها قيمة الإنسان. تتبخر الأجساد، ويصبح الاختفاء مألوفاً كأمتعة مفقودة، لتتحول قوة الجبال الثابتة إلى انكسار ونشيج خلف جدران الصمت.
شتاءات دمشقية ليست مجرد رواية عن القمع والأقبية، بل هي مرآة إنسانية تعكس ملحمة عائلية دمشقية بامتياز. إنها تنبش في قيم التراحم والوفاء حتى في أشد المهاجع ظلمة، وترصد صراع الأرواح للنجاة والتشبث بخيوط الأمل الرفيعة وسط قسوة الزمهرير. قصة آسرة تمزج بين دفء العاطفة الساحر، ومرارة الفقد الجارف، وملاحقة جمر الثأر، لتجيب عن السؤال الأنير: هل تموت الأرواح دفعة واحدة، أم تتآكل ببطء في انتظار موتتها الأخيرة؟